عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
403
اللباب في علوم الكتاب
وقال قتادة : بلغنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآية قال : « هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها » « 1 » : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] . وقال معاوية : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تزال من أمّتي أمّة قائمة بأمر اللّه لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتّى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك » « 2 » . قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ الآية . والذين فيه وجهان : أظهرهما : أنّه مبتدأ ، وخبره الجملة الاستقبالية بعده . والثاني : أنّه منصوب على الاشتغال بفعل مقدّر تقديره : سنستدرج الذين كذّبوا ، والاستدراج التقريب منزلة منزلة ، والأخذ قليلا قليلا من الدّرج ؛ لأنّ الصّاعد يرقى درجة درجة وكذلك النّازل . وقيل : هو مأخوذ من الدّرج وهو الطيّ ، ومنه درج الثّوب : طواه ، ودرج الميّت مثله ، والمعنى : تطوى آجالهم . وقرأ النخعي « 3 » وابن وثّاب : سيستدرجهم بالياء ، فيحتمل أن يكون الفاعل الباري تعالى وهو التفات من المتكلم إلى الغيبة ، وأن يكون الفاعل ضمير التكذيب المفهوم من قوله : « كذّبوا » ؛ وقال الأعشى في الاستدراج : [ الطويل ] 2637 - فلو كنت في جبّ ثمانين قامة * ورقّيت أسباب السّماء بسلّم ليستدرجنك القول حتّى تهرّه * وتعلم أنّي عنكم غير مفحم « 4 » فصل ويقال : درج الصّبيّ : إذا قارب بين خطاه ، ودرج القوم : مات بعضهم إثر بعض . فصل [ ذكر حال الأمة الهادية العادلة ] لمّا ذكر حال الأمة الهادية العادلة ، أعاد ذكر المكذبين بآيات اللّه تعالى فقال : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وهذا يعمّ كل مكذب ، وعن ابن عبّاس : المراد أهل مكة « 5 » ، وهو بعيد .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 134 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 272 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 7460 ) ومسلم ( 1037 / 174 ) ، وأحمد 4 / 101 ، من حديث معاوية . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 482 ، والبحر المحيط 4 / 429 ، والدر المصون 3 / 376 . ( 4 ) ينظران في ديوانه 182 ، الكشاف 2 / 133 ، الكتاب 2 / 28 ، مجاز القرآن 1 / 302 ، ابن يعيش 2 / 74 ، الجامع لأحكام القرآن 9 / 132 ، التهذيب 1 / 646 ، اللسان : سبب ، درج ، الدر المصون 3 / 376 . ( 5 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 209 ) .